أبرزت صحيفة "تركيا توداي" التحالف الناشئ بين تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية ومصر، والذي تشكل خلال الآونة الأخيرة على خلفية الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران. 

 

وقالت إنه قبل خمس سنوات، كانت فكرة عقد قمة مشتركة بين الدول الأربع، ناهيك عن إثارة مناقشات جادة حول تحالف دفاعي، ستُعتبر ضربًا من الخيال الجيوسياسي. مع ذلك، تشكلت إلى حد كبير بفعل الزخم الناتج عن الحرب مع إيران، في مشاورات متكررة.
 

وفي الأسبوع الماضي فقط، اجتمعت للمرة الثالثة في منتدى أنطاليا للدبلوماسية في تركيا. وقالت الصحيفة إنه بينما لم يُعر الغرب اهتمامًا كبيرًا حتى الآن، فقد أثار الاجتماع بالفعل موجة من التغطية الإعلامية في وسائل الإعلام الشرق أوسطية.

 

وأضافت: السؤال الرئيس هو ما إذا كان تحالف عسكري جديد يتشكل في الشرق الأوسط ما بعد الحرب الإيرانية. ومع ذلك، تشير معظم التقييمات إلى أن اتفاقًا على غرار حلف شمال الأطلسي أو معاهدة دفاع مشترك رسمية أمر غير مرجح. وأشارت إلى أن هذه الدول الأربع لديها مفاهيم مختلفة تمامًا لما يشكل تهديدًا، ولكل منها علاقات دولية معقدة أخرى تسعى إلى تحقيق التوازن فيها.

 

ما وراء التحالفات

 

وأكدت الصحيفة التركية أن العلاقات الدفاعية القوية والالتزامات المتبادلة بين هذه الدول لا تستلزم بالضرورة تحالفًا رسميًا. ففي ظل بيئة الأمن ما بعد الأمريكية، التي تتسم بالتحول من نظام أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب، تعمل القوى المتوسطة على تنويع خياراتها وتحالفاتها لضمان استقلالها الاستراتيجي، متجنبةً الشراكات التي تبدو متنافسة.

 

وتابعت: "مع إدارة العلاقات ضمن شبكة من التكتلات المتداخلة التي تشكلت حول مصالح مشتركة، تحافظ هذه الدول على سياسات خارجية مستقلة إلى جانب تحالفاتها القائمة. ويستند هذا التحالف الناشئ إلى تجاوز الخلافات الأيديولوجية السابقة، وإعطاء الأولوية للفرص الاستراتيجية، واتخاذ موقف مشترك ضد الصراعات الحالية والتهديدات الإقليمية المحتملة في المستقبل".

 

وذكرت أنه "بعد أن استخلصت تركيا العبر من عزلتها الإقليمية التي عانت منها قبل عام 2021، اتجهت منذ ذلك الحين نحو تطبيع العلاقات مع جيرانها وتعميقها. وقد اعتمدت بشكل كبير على الوساطة، وهي أداة ضغط تقليدية للقوى المتوسطة، مع الحرص على إيجاد توازن بين القوة الناعمة والقوة الصلبة". 

 

وفي الوقت الذي أشارت فيه إلى أن تركيا وسعت نطاق تعاونها في مجال الصناعات الدفاعية على امتداد جغرافي واسع، تدخلت عسكريًا أيضًا عندما اقتضت مصالحها ذلك، فدعمت دولاً وجماعات صديقة في مناطق مثل سوريا وليبيا وجنوب القوقاز.

 

وأوضحت أن هذا النهج ليس حكرًا على تركيا. فعلى مدى العقد الماضي، ومع إشارة الولايات المتحدة، قولاً وفعلاً، إلى أنها تتراجع عن دورها كشرطي وحكم عالمي، برزت القوى المتوسطة لملء الفراغ، واكتسبت نفوذًا أكبر على الساحة العالمية.

 

وأصبحت الوساطة الرابط المشترك الذي يجمع هذه الدول معًا. وقد اندلعت الاضطرابات الإقليمية نتيجة سلسلة من التحولات: هجمات حماس في 7 أكتوبر، وسقوط نظام الأسد في سوريا، والحروب التي تشمل إيران ومحور الولايات المتحدة وإسرائيل، وسياسات إسرائيل التوسعية في غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان. 

 

وقالت الصحيفة إنه مع تراجع إيران و"محور المقاومة" التابع لها، انتهى النظام القديم. وفي هذا الواقع الجديد، تسعى هذه الدول إلى تعزيز نفوذها وتشكيل تحالفات جديدة للحفاظ على التوازن الإقليمي ومنعه من الاختلال بشكل كبير في أي اتجاه.

 

الحرب الإيرانية


وفقًا للتقرير، تتزايد دعوات دول المنطقة إلى تعزيز الملكية الإقليمية، ساعيةً إلى لعب دور فاعل في حل النزاعات وفي رسم مصائرها. وقد ساهمت الحرب الإيرانية في تسريع وتيرة المشاورات والتعاون الثنائي والثلاثي القائم بالفعل بين هذه الدول الأربع.

 

ولعبت السعودية وتركيا دورًا محوريًا في رأب الصدع بين الإدارة السورية الجديدة والولايات المتحدة. فعندما عقد الرئيس ترامب أول اجتماع له مع الزعيم السوري الجديد، أحمد الشرع، انضم إليهما مسؤولون سعوديون في مكالمة هاتفية مع الرئيس رجب طيب أردوغان. ومنذ تغيير النظام في سوريا، تجاوزت الرياض وأنقرة مجرد الاتفاقيات الدفاعية والاقتصادية، لتستخدما التنسيق الدبلوماسي المستمر في تشكيل المشهد الإقليمي الجديد.

 

كما اضطلعت تركيا بدور الوسيط في مساعدة دول الخليج على تطوير علاقاتها مع القيادة السورية الجديدة. وفي الأزمات الإقليمية اللاحقة، حرصت تركيا على التنسيق المستمر مع شركائها الإقليميين. وقد عززت عملية وقف إطلاق النار في غزة جهود الوساطة والتشاور التركية مع مصر.

 

وشهد سبتمبر 2025 نقطة تحول رئيسة في تصورات التهديدات الإقليمية، عندما تعرضت قطر، التي كانت وسيطًا غير مباشر بين حماس وإسرائيل، لهجوم إسرائيلي خلال مفاوضات وقف إطلاق النار. ومع الهجوم الذي استهدف منشآت النفط السعودية عام 2019 والهجوم على قطر، بدأت دول المنطقة تدرك مدى ضعفها وحدود اعتمادها على الولايات المتحدة، بحسب التقرير.

 

وخلال الحرب الإيرانية اللاحقة، تعرضت دول الخليج لهجمات إيرانية مكثفة، وأدركت أن شراكاتها الاستراتيجية مع واشنطن لم توفر لها الحماية الكافية ولم تقلل من تعرضها للخطر. كما أدركت أن أطرًا مثل اتفاقيات أبراهام أو مبادرات دفاعية مثل تحالف الدفاع الجوي للشرق الأوسط كانت مصممة لحماية إسرائيل أكثر من حماية مصالحها، وفق ما يذكر التقرير.

 

وذكر أنه على الرغم من اختلاف وجهات النظر حول التهديد الذي تشكله إسرائيل، فقد خلصت هذه الدول إلى أن تعزيز التعاون الإقليمي هو أفضل سبيل لتجنب الانخراط في نظام شرق أوسطي ما بعد الحرب تهيمن عليه إما إيران أو إسرائيل في أعقاب الانسحاب الأمريكي. وقد بدأت الحرب أيضًا في تشكيل التحالفات ما بعد الحرب.

 

وبعد أن برزت باكستان كطرف أقوى في جولة الصراع الأخيرة مع الهند، تقترب أكثر من تركيا والسعودية ومصر، وهي دول تربطها بها بالفعل علاقات دفاعية متينة. أما إسرائيل، فقد طرحت رؤية لـ"كتلة هيجاكسون"، أي "نظام تحالفات شامل"، في إشارة على الأرجح إلى كتلة تضم الهند والإمارات واليونان وجنوب قبرص وأرض الصومال، في مواجهة ما وصفه بنيامين نتنياهو بـ"المحاور الراديكالية" للإسلام الشيعي والسني، في إشارة على الأرجح إلى هذه الدول الأربع.

 

مميزات الدول الأربع

 

وسلط التقرير الضوء على الإمكانات التي تتمتع بها الدول الأربع، إذ إن تركيا والمملكة العربية السعودية عضوان في مجموعة العشرين؛ وتُوفّر المملكة العربية السعودية، بصفتها أكبر مُنتج للنفط في العالم ومصدره الرئيس، قوةً ماليةً هائلة. أما تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش نظامي في حلف الناتو، فتُساهم بالقوى البشرية، وصناعة دفاعية متينة، وخبرة عملياتية. وتُضيف باكستان قدرات نووية وصاروخية، بينما يُعطي الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمصر، بسيطرتها على قناة السويس عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، نفوذًا بالغًا. 

 

ومع ذلك، أشارت الصحيفة إلى أنّ هذا التوطيد التدريجي لا يعني بالضرورة التوافق في جميع القضايا. فالسمة المميزة لهذه الحقبة الجديدة هي الشراكات المرنة ضمن إطار من الاستقلالية الاستراتيجية.

 

وفي الأشهر الأخيرة، أجرت جيوش هذه الدول الأربع تدريبات مشتركة، سواء على المستوى الجماعي أو الثنائي. ويتزايد التوافق العملياتي بين قواتها المسلحة، بينما تتعزز الثقة والروح الأخوية باستمرار.

 

على مدار العام الماضي، وسّعت هذه الدول نطاق التدريبات العسكرية المشتركة لتشمل مجالات متعددة. انضمت المملكة العربية السعودية إلى تدريبات البحث والإنقاذ التركية "فينيكس الأناضول"، بينما أجرت مصر وتركيا التدريبات البحرية "بحر الصداقة 2025".

 

وشاركت تركيا وباكستان في مناورات "رماح النصر" الجوية التي تقودها السعودية، وأجرتا تدريبات ثنائية، بما في ذلك مناورات "أتاتورك-13" و"جناح-13" . كما نفذت مصر وباكستان مناورات القوات الخاصة "الرعد 2"، وشاركت الدول الأربع في مسابقة "روح الفريق" للجيش الباكستاني (PATS) 2026، مما عزز بشكل جماعي قابلية التشغيل البيني والجاهزية القتالية.

 

وخلص التقرير إلى القول: "رغم أننا قد لا نشهد تشكيل هذه المجموعة الرباعية رسمياً ضمن تحالف عسكري واحد في المستقبل القريب، إلا أن علاقاتها قد تصبح أكثر مؤسسية. وقد تتعمق العلاقات الثنائية أكثر في ظل زخم هذا الإطار، وقد تظهر شراكات جديدة، ويمكن أن تعمل المجموعة كنواة تتشكل حولها تحالفات أوسع نطاقًا بشأن قضايا محددة".

 

https://www.turkiyetoday.com/opinion/turkiye-saudi-arabia-egypt-and-pakistan-edge-toward-a-new-middle-east-alignment-3219018?s=1